فيديوغراف

حصاد 2025.. ليبيا بلا انفراجة

عاش الليبيون خلال عام 2025 على إيقاع أحداث متلاحقة عكست استمرار حالة الانسداد السياسي والأمني، في عام لم يحمل مؤشرات حقيقية على انفراجة شاملة، بقدر ما كشف عمق الأزمة وتشابك مساراتها بين أمن مضطرب، وسياسة عالقة، واقتصاد يرزح تحت الضغوط.

مع بداية العام، برز تطور أمني وقضائي لافت تمثل في إلقاء القبض على أسامة نجيم في إيطاليا في التاسع عشر من يناير، تنفيذًا لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق مهاجرين داخل مراكز احتجاز غير قانونية. أعاد هذا التطور ملف الهجرة غير الشرعية والانتهاكات المرتبطة بها إلى الواجهة، مسلطًا الضوء على تشابك الجريمة المنظمة مع هشاشة الواقع الأمني.

وبعد أسابيع قليلة، صُدم الرأي العام باكتشاف مقبرة جماعية في مدينة الكفرة في السابع من فبراير، ضمت عشرات الجثث لمهاجرين غير نظاميين، في واقعة كشفت جانبًا مظلمًا من نشاط شبكات تهريب البشر في الجنوب، وأظهرت حجم الانفلات الأمني واتساع رقعة الجرائم بعيدًا عن أعين الدولة.

سياسيًا، حمل شهر فبراير محاولة جديدة لكسر الجمود، عبر إعلان توافق بين أعضاء من مجلسي النواب والدولة خلال اجتماعات القاهرة في الثالث والعشرين من الشهر نفسه، بشأن تشكيل حكومة موحدة. غير أن هذا التوافق لم يصمد طويلًا، إذ سرعان ما تعثر أمام الخلافات حول توزيع المناصب السيادية وآليات التنفيذ، ليضاف إلى سلسلة المبادرات التي وُلدت دون أن تجد طريقها إلى التطبيق.

وفي مارس، عاد ملف تفجير طائرة لوكربي إلى دائرة الجدل مجددًا، عقب توقيف سمير شقوارة لحيازته وثائق وُصفت بالحساسة، وقيل إنها تتضمن معلومات جديدة عن القضية. هذا التطور فتح باب التساؤلات حول احتمالات إعادة فتح الملف، وسط انقسام في الرأي العام بين مطالب بكشف الحقيقة ومخاوف من توظيف سياسي جديد لقضية تاريخية معقدة.

على الصعيد الإنساني، ازدادت الصورة قتامة مع إعلان عدد من المنظمات الدولية في أبريل تعليق أنشطتها داخل ليبيا، بسبب تدهور الوضع الأمني وقيود إدارية متزايدة. القرار انعكس مباشرة على الخدمات الصحية والإغاثية، خاصة في المناطق التي تعتمد بشكل شبه كامل على الدعم الدولي.

وشكل شهر مايو ذروة التوتر الأمني، بعد اندلاع اشتباكات عنيفة في العاصمة طرابلس على خلفية مقتل عبد الغني الككلي، قائد جهاز دعم الاستقرار، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وأضرار واسعة، وانتهى بتفكيك الجهاز. أعادت هذه الأحداث ملف الجماعات المسلحة إلى صدارة المشهد، ورافقتها احتجاجات شعبية حملت السلطة التنفيذية مسؤولية تدهور الأوضاع.

وفي السياق نفسه، أعلنت ليبيا في منتصف مايو منح المحكمة الجنائية الدولية اختصاص النظر في الجرائم المرتكبة خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2027، في خطوة وُصفت بالمفصلية، لكنها أثارت جدلًا داخليًا واسعًا حول السيادة وحدود العدالة الدولية.

خارجيًا، واجه الليبيون تداعيات إضافية مع فرض الولايات المتحدة حظرًا جزئيًا على دخول مواطني عدد من الدول، من بينها ليبيا، في يونيو، وهو ما اعتُبر عاملًا جديدًا يعمّق عزلة المواطنين، خاصة الطلبة والمرضى.

وفي الشرق، شهد العام تحركات لافتة على المستوى العسكري، تمثلت في قرارات بإعادة ترتيب القيادة داخل الجيش الوطني الليبي، في إطار مساعٍ لتعزيز الاستقرار المؤسسي وتوحيد القرار العسكري، مقابل مشهد أمني أكثر هشاشة في الغرب.

انتخابيًا، جرت محاولات محدودة للحفاظ على المسار المحلي، مع إطلاق مراحل من الانتخابات البلدية خلال أغسطس وأكتوبر، لكنها بقيت جزئية ومحدودة التأثير، في ظل تأجيل الاقتراع في عدد من البلديات لأسباب أمنية وسياسية.

وتواصل التوتر مع تعرض محيط مقر بعثة الأمم المتحدة في طرابلس لهجوم صاروخي في أغسطس، دون إصابات، لكنه حمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، وأعاد التساؤلات حول قدرة العاصمة على توفير بيئة آمنة للمسار الأممي.

ومع اقتراب نهاية العام، خرجت تظاهرات في عدد من المدن في نوفمبر، عبّرت عن تصاعد الغضب الشعبي من استمرار المرحلة الانتقالية، وطالبت بانتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي حالة التعليق السياسي المستمرة منذ سنوات.

وفي ديسمبر، تتابعت أحداث ثقيلة، بين تسليم أحد المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، ومقتل شخصية بارزة مرتبطة بملفات تهريب البشر خلال اشتباكات مسلحة، وصولًا إلى الحادث المأساوي الذي اختتم العام، والمتمثل في تحطم طائرة في أنقرة، أسفر عن مقتل رئيس أركان حكومة الوحدة الوطنية وعدد من مرافقيه، في واقعة صادمة فتحت بابًا واسعًا للتساؤلات حول تداعياتها السياسية والعسكرية.

هكذا مرّ عام 2025 على ليبيا، عامًا محمّلًا بالأزمات والتحولات، عكس استمرار الانقسام، وتعدد مراكز القرار، وتراجع فرص الحل الشامل، ليبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات معقدة، دون مؤشرات واضحة على انفراجة قريبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى