إنفوغراف

خلافات وانقسامات تضرب القضاء الليبي.. فما القصة؟

دخل القضاء الليبي مرحلة دقيقة من تاريخه، بعد قرار الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس القاضي بعدم دستورية تعديلات أقرها مجلس النواب على قانون نظام القضاء، وهو قرار فجّر خلافات واسعة لم تعد محصورة في الإطار السياسي، بل امتدت إلى صميم السلطة القضائية نفسها، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدية حول وحدة القضاء ومستقبل العدالة في البلاد.

تعود شرارة الأزمة إلى الحكم الصادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس، والذي قضى بعدم دستورية التعديل الذي أقره مجلس النواب على قانون نظام القضاء، معتبرًا أن التعديل خالف الإعلان الدستوري، ولا يستند إلى أساس قانوني سليم.

هذا الحكم لم يكن مجرد قرار قضائي عابر، بل مثّل نقطة تحول في العلاقة المتوترة أصلًا بين المؤسسة التشريعية والسلطة القضائية، وأعاد إلى الواجهة صراع الصلاحيات وحدود الاختصاص بين الطرفين.

في يوليو 2023، صوّت مجلس النواب على تعديل قانون نظام القضاء، تضمّن نصًا يقضي بتعيين المستشار مفتاح القوي رئيسًا للمجلس الأعلى للقضاء، في خطوة قال النواب إنها تهدف إلى إعادة تنظيم السلطة القضائية وضمان استقلالها عن التجاذبات السياسية.

غير أن هذه الخطوة قوبلت برفض قضائي صريح، بعدما رأت المحكمة العليا أن البرلمان تجاوز صلاحياته التشريعية، وتدخل في بنية السلطة القضائية على نحو يخالف الإعلان الدستوري.

النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية أعربت عن قلقها البالغ من تداعيات أحكام المحكمة العليا في طرابلس، محذرة من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى انقسام داخل الجسم القضائي، ويزعزع الاستقرار المؤسسي لمنظومة العدالة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توحيد مؤسساتها لا تعميق الانقسامات.

على الأرض، تحولت الأزمة إلى مشهد احتجاجي غير مسبوق، حيث نظم مئات القضاة ووكلاء النيابة وقفة احتجاجية أمام مجمع المحاكم، رفضًا لأحكام المحكمة العليا في طرابلس، ودعمًا للمجلس الأعلى للقضاء، في رسالة واضحة بأن الخلاف لم يعد قانونيًا فقط، بل أصبح صراعًا داخل المؤسسة القضائية نفسها.

القلق الرئيسي لا ينبع من الحكم ذاته، بل من دلالاته. فانتقال الخلاف من حيز السياسة إلى قلب السلطة القضائية يهدد وحدة القضاء، ويقوض ثقة المواطنين في العدالة، ويطرح تساؤلات خطيرة حول مرجعية الأحكام، ومن يمتلك الكلمة الفصل في تفسير الدستور.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان الصراع القديم بين المحكمة العليا ومجلس النواب، منذ حكم الدائرة الدستورية في عام 2015 بحل مجلس النواب لأسباب إجرائية، وهو حكم لا يزال محل جدل قانوني وسياسي حتى اليوم.

نواب البرلمان يؤكدون أنهم يمارسون اختصاصاتهم التشريعية المنصوص عليها، ويعتبرون أن من حقهم تعديل القوانين المنظمة للسلطات، بما في ذلك السلطة القضائية، وإعادة تنظيم القضاء الدستوري وفق ما يحقق المصلحة العامة ويضمن الفصل بين السلطات.

في المقابل، ترى المحكمة العليا أن تعديل النواب يشكل مخالفة صريحة للإعلان الدستوري، وتجاوزًا لحدود السلطة التشريعية، مؤكدة أن استقلال القضاء لا يتحقق عبر قرارات تشريعية تمس بنيته الداخلية.

يرى مراقبون وخبراء قانونيون أن جوهر الصراع يتجاوز التعديل الأخير، ويكمن في محاولة إعادة العمل بالقانون رقم (4) لسنة 2011 الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي، والذي ينص على أن يكون رئيس المحكمة العليا هو ذاته رئيس المجلس الأعلى للقضاء، بما يعيد تركيز السلطة القضائية في يد جهة واحدة.

في ظل غياب توافق سياسي شامل، واستمرار الانقسام المؤسسي، تبقى أزمة القضاء الليبي مرشحة لمزيد من التعقيد، ما لم يتم تحييد السلطة القضائية عن الصراعات السياسية، والاحتكام إلى توافق وطني يحفظ استقلال القضاء ووحدته، باعتباره آخر حصون الدولة الليبية.

فالقضية اليوم لم تعد صراع نصوص قانونية، بل معركة على مستقبل العدالة في ليبيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى