من 1.3 إلى 6.3.. الدينار الليبي يواصل رحلة الانهيار أمام الدولار

لم يعد تراجع الدينار الليبي مجرد رقم في نشرات الصرف، بل مسار ممتد يكشف عمق الأزمة النقدية والاختلالات الهيكلية في إدارة الاقتصاد. فالأرقام الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي ترسم خطا زمنيا واضحا لانخفاض قيمة العملة الوطنية خلال السنوات الأخيرة، في مشهد يعكس فقدان السيطرة التدريجي على أدوات السياسة المالية والنقدية.
في ديسمبر 2020، بلغ سعر صرف الدولار نحو 1.3 دينار، قبل أن يقفز في يناير 2021 إلى حدود 4.8 دينار، في واحدة من أعنف الصدمات النقدية التي عرفها الاقتصاد الليبي. ورغم محاولات الاحتواء وإجراءات التوحيد النقدي، واصل الدينار تراجعه ليصل الدولار إلى 5.4 دينار في أبريل 2025، ثم إلى نحو 6.3 دينار في يناير 2026، وفقا لبيانات مصرف ليبيا المركزي.
هذا التدهور لا يمكن فصله عن سياق أوسع، يتصدره الإنفاق الحكومي المتصاعد دون ضوابط واضحة، واتساع فاتورة الاستيراد، وضعف الرقابة على الاعتمادات، إلى جانب استمرار تهريب العملة، وغياب سياسة اقتصادية طويلة المدى قادرة على حماية قيمة الدينار. كما ساهم الاعتماد شبه الكامل على عائدات النفط في جعل العملة عرضة لأي اهتزازات سياسية أو أمنية.
انعكاسات هذا المسار ظهرت مباشرة على حياة المواطنين، من خلال تآكل القوة الشرائية، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتزايد الضغوط المعيشية، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الدخل الحقيقي وتكاليف الحياة. وفي المقابل، تواصل السوق الموازية فرض إيقاعها، مستفيدة من ضعف الثقة في الإجراءات الرسمية.
رحلة انهيار الدينار، كما تكشفها الأرقام، لم تعد أزمة طارئة، بل نتيجة تراكمات ممتدة لقرارات مؤجلة، وإصلاحات غائبة، ومحاسبة لم تر النور. ومع استمرار هذا المسار، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة السلطات النقدية والتنفيذية على وقف التدهور، قبل أن تتحول الأرقام القادمة إلى مستويات أكثر خطورة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.




