عبد الرؤوف الزايدي.. صوت الحق لا يموت

في زوايا معتمة من ذاكرة ليبيا، حيث تختلط السياسة بالخوف، وتغيب العدالة خلف جدران الصمت، تبرز قصة شاب لم يحمل سلاحًا، ولم ينتمِ إلى أي تشكيل، لكنه اختار طريقًا أكثر خطورة في زمن الفوضى.. أن يقول الحقيقة.
عبد الرؤوف الزايدي لم يكن اسمًا عابرًا، بل صوتًا حاول أن يكسر حالة الصمت. عبر كلمات كتبها على موقع فيسبوك، من خلال صفحة “الدريبي الآن”، عبّر عن موقفه الرافض لعملية عملية فجر ليبيا، وانتقد ممارسات التشكيلات المسلحة، داعيًا إلى دولة خالية من الخوف، يسودها القانون بدلًا من السلاح.
لكن في واقع تحكمه القوة، لم تكن الكلمة تمر دون ثمن. اختُطف الزايدي من منزله، في مشهد يعكس هشاشة الأمن وتغوّل المجموعات المسلحة في تلك المرحلة. لم تُعرف تفاصيل كثيرة عن الأيام التي قضاها بعد اختطافه، لكن ما تسرب منها يكشف عن تعذيب قاسٍ، انتهى بإسكات صوته إلى الأبد.
في 30 أبريل 2015، انتهت حياته، لكن قصته لم تنتهِ. تحولت قضيته إلى رمز، ليس فقط لما تعرض له شخص واحد، بل لما يمكن أن يواجهه أي صوت معارض في بيئة يغيب فيها القانون، وتُفرض فيها السيطرة بالقوة. لم يكن الزايدي طرفًا في صراع مسلح، بل كان شاهدًا عليه، ودفع ثمن شهادته.
مرت السنوات، ولا تزال الأسئلة نفسها تُطرح: من يحاسب؟ وأين العدالة؟ وهل يمكن أن تُفتح هذه الملفات يومًا في بلد تتنازعه الانقسامات؟
في ليبيا، حيث تتداخل السياسة بالأمن، وتتعقد مسارات العدالة، تبقى مثل هذه القضايا معلقة، لا هي منسية بالكامل، ولا هي منجزة قضائيًا. لكنها تظل حاضرة في الذاكرة، تُذكّر بأن الكلمة قد تكون أخطر من الرصاصة، وأن ثمنها قد يكون الحياة.
ورغم كل ذلك، يبقى المعنى الأعمق لقصة عبد الرؤوف الزايدي حاضرًا: أن الصوت الذي يُقمع لا يختفي، بل يتحول إلى شهادة مستمرة، تُطرح مع كل حديث عن العدالة، ومع كل محاولة لبناء دولة تحمي مواطنيها بدلًا من أن تعجز عن حمايتهم. الذاكرة لا تموت.. حتى وإن طال الصمت.



