ليبيا بين حكومة منتهية الولاية وعقود تمتد لربع قرن

جاءت حكومة الوحدة الوطنية إلى السلطة في مارس 2021 عبر مسار أممي مؤقت، وحددت لها خارطة الطريق مهمة أساسية لا تحتمل التأويل: قيادة البلاد نحو انتخابات خلال 18 شهرًا، مع الامتناع عن اتخاذ قرارات مصيرية أو توقيع اتفاقيات طويلة الأمد يمكن أن تقيد الحكومات المنتخبة لاحقًا أو تمس حقوق الأجيال القادمة.
لكن ما يحدث اليوم على الأرض يعكس مسارًا مختلفًا تمامًا. فقد أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة مؤخرًا توقيع شركة الواحة للنفط اتفاق تطوير طويل المدى يمتد 25 سنة مع شركتي توتال إنيرجيز الفرنسية وكونوكو فيليبس الأميركية، باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار، وبتمويل خارجي خارج الميزانية العامة للدولة.
وبحسب ما أورده الدبيبة، يهدف الاتفاق إلى رفع القدرة الإنتاجية للنفط بإضافة نحو 850 ألف برميل يوميًا، مع توقع تحقيق صافي إيرادات للدولة يتجاوز 376 مليار دولار، معتبرًا أن هذه الاتفاقات تعكس تعزيز علاقات ليبيا مع كبرى الشركات الدولية وتسهم في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل وتحسين مستوى الخدمات.
على الورق، تبدو الأرقام مغرية، والعناوين براقة، والاستثمار مرحبًا به في بلد أنهكته سنوات الانقسام. لكن جوهر الإشكال لا يكمن في مبدأ الاستثمار، بل في الصلاحية والتوقيت ومن يملك حق اتخاذ القرار. نحن أمام حكومة مؤقتة، منتهية الولاية سياسيًا، لم تنل تفويضًا شعبيًا عبر صناديق الاقتراع، ومع ذلك تتصرف وكأن المرحلة دائمة، وتوقع اتفاقيات استراتيجية تمتد لعقود في قطاع النفط، شريان الاقتصاد الليبي وأهم مورد سيادي للدولة.
خارطة الطريق الأممية كانت واضحة حين شددت على عدم إبرام التزامات طويلة الأمد، حمايةً لمقدرات البلاد، وضمانًا لحق الليبيين في أن تقرر حكوماتهم المنتخبة مستقبل ثرواتهم. ومع ذلك، تم التوقيع، وسط اعتراضات سياسية وتحذيرات قانونية، واتهامات بتجاوز الصلاحيات والتفريط في الموارد السيادية.
الخطورة لا تكمن فقط في مدة العقد، بل في ترسيخ نهج فرض الأمر الواقع، وتحويل القرارات المؤقتة إلى التزامات دائمة، في ظل استمرار انقسام مؤسسات الدولة، وتعثر المسار الانتخابي.
اليوم في ليبيا، تُتخذ قرارات كأن الشرعية مكتملة، وتُوقع اتفاقيات كأن التفويض الشعبي قائم، بينما الواقع يقول إن البلاد ما تزال عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة، بلا أفق سياسي واضح.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من يوقف هذه القرارات قبل أن تتحول إلى واقع قانوني يصعب التراجع عنه؟ ومن يحمي حق الليبيين في أن يكون لهم رأي في مصير ثرواتهم، عبر مؤسسات منتخبة تمثل إرادتهم، لا عبر حكومة مؤقتة تجاوزت مهمتها الأساسية؟
في غياب الإجابة، يبقى القلق مشروعًا، وتبقى المخاوف قائمة من أن تُدار أهم ملفات الدولة بعقلية المرحلة العابرة، بينما آثارها ستمتد لعقود قادمة.



