زيارة مثيرة للجدل.. تحركات يونانية في طرابلس بين الدبلوماسية وحسابات الواقع

تشهد الساحة الليبية تحركات دبلوماسية متسارعة، كان أبرزها زيارة وزير خارجية اليونان، جيورجوس جيرابيتريتيس، إلى العاصمة طرابلس، حيث عقد سلسلة لقاءات مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، إلى جانب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي.
الزيارة حملت عنوانًا رسميًا واضحًا، يتمثل في “تعزيز العلاقات الثنائية”، إلا أن توقيتها وسياقها السياسي يفتحان الباب أمام تساؤلات أوسع، تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي إلى حسابات أكثر تعقيدًا ترتبط بالواقع الليبي الحالي.
فالعاصمة طرابلس، رغم كونها مقر السلطة التنفيذية، لا تزال تعيش تحت تأثير التشكيلات المسلحة، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة هذه الزيارة: هل تعكس مسارًا دبلوماسيًا طبيعيًا بين دولتين، أم تمثل شكلًا من أشكال التعاطي مع “الأمر الواقع” في ظل تعقيدات المشهد الأمني؟
التحرك اليوناني لا يبدو معزولًا عن المصالح المباشرة، وفي مقدمتها ملف الهجرة غير الشرعية، الذي يمثل هاجسًا أوروبيًا متصاعدًا. وتسعى أثينا، كغيرها من العواصم الأوروبية، إلى الحد من تدفقات المهاجرين عبر السواحل الليبية، باعتبار ليبيا نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا.
لكن هذا الهدف يواجه إشكالية أساسية، تتعلق بمدى قدرة السلطات في طرابلس على فرض سيطرة فعلية على الأرض. فالمشهد الميداني يشير إلى استمرار نشاط شبكات تهريب البشر، في بيئة معقدة تتداخل فيها المصالح، وتعمل فيها مجموعات مسلحة لها نفوذ مباشر في هذا الملف.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المقاربة الدولية، التي تركز غالبًا على الجانب الأمني، قاصرة عن معالجة جذور الأزمة، سواء المرتبطة بالوضع الداخلي في ليبيا، أو بالعوامل الإقليمية والدولية التي تغذي الظاهرة.
كما أن الانخراط في تفاهمات مع سلطة محاطة بالجدل والانقسام السياسي، قد يضع أي اتفاقات محتملة في دائرة الشك، خاصة إذا لم تستند إلى توافق وطني واسع، أو قدرة تنفيذية حقيقية على الأرض.
يبقى السؤال الأهم مطروحًا: هل تمثل هذه الزيارة خطوة عملية نحو معالجة ملف الهجرة، أم أنها تحمل رسائل سياسية غير مباشرة، قد تُفهم على أنها طمأنة للأطراف المسيطرة فعليًا في طرابلس؟
في كل الأحوال، تؤكد هذه الزيارة أن ليبيا لا تزال ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية، حيث تتقاطع المصالح السياسية والأمنية، في ظل غياب حل شامل يعيد للدولة تماسكها، ويمنحها القدرة على التحكم في ملفاتها السيادية.



