ليبيا في 2025.. محطات ساخنة وأزمة بلا انفراجة

مضى عام 2025 ثقيلاً على ليبيا، ليضاف إلى أكثر من عقد من الأزمات المفتوحة دون أفق واضح للحل. أربعة عشر عاماً مرّت منذ اندلاع الأزمة، ولا تزال البلاد تدور في حلقة مفرغة من الانقسام السياسي، والانفلات الأمني، والتدخلات الخارجية، بينما تتصاعد الأحداث بين حين وآخر لتؤكد أن الاستقرار لا يزال بعيد المنال. ورغم محاولات إحياء المسار السياسي وإطلاق مسارات انتخابية جزئية، فإن العام المنصرم حمل وقائع جسيمة عكست عمق الأزمة وتعقيداتها.
استهل العام أحد أكثر ملفاته حساسية باعتقال أسامة الأنجيم في إيطاليا في 19 يناير، في خطوة أعادت إلى الواجهة قضايا الملاحقة الدولية والانتهاكات المرتبطة بسنوات الصراع. ولم تمضِ أسابيع حتى صُدم الرأي العام في 7 فبراير باكتشاف مقبرة جماعية للمهاجرين في الكفرة تضم 55 جثة، لتسلّط الحادثة الضوء مجدداً على مأساة الهجرة غير النظامية وتحول الصحراء الليبية إلى مسرح لانتهاكات جسيمة بحق المهاجرين.
سياسياً، شهد 23 فبراير توقيع اتفاق في القاهرة بين أعضاء مجلسي النواب والدولة على تشكيل حكومة موحدة، ما أعاد لفترة قصيرة الحديث عن إمكانية كسر الجمود، قبل أن تصطدم تلك التفاهمات بالخلافات التقليدية حول الصلاحيات وتوزيع المناصب. وفي 20 مارس، تصدرت عناوين دولية قضية اعتقال سمير شقوارة على خلفية حيازة وثائق قيل إنها تكشف تورط أجهزة استخبارات في تفجير لوكربي، ما أعاد فتح أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ ليبيا الحديث.
وتفاقمت التحديات الإنسانية مع إعلان تعليق عمل عشر منظمات إنسانية في 4 أبريل، في خطوة أثارت مخاوف واسعة بشأن أوضاع الفئات الهشة. أمنياً، شكّل شهر مايو نقطة تحول خطيرة، إذ شهدت البلاد في 12 مايو اغتيال عبد الغني الككلي “اغنيوة” وتصفية ميليشيا جهاز دعم الاستقرار، في واحدة من أعنف جولات الصراع داخل العاصمة، قبل أن تعلن ليبيا في 15 مايو منح المحكمة الجنائية الدولية الاختصاص على الجرائم المرتكبة بين عامي 2011 و2027، في خطوة وُصفت بأنها مفصلية على صعيد المساءلة الدولية.
على الصعيد الخارجي، فرضت الولايات المتحدة في 4 يونيو حظراً على دخول الليبيين إلى أراضيها، ما انعكس سلباً على آلاف المواطنين وزاد من تعقيد المشهد السياسي والإنساني. وفي الشرق الليبي، حمل أغسطس تحولات بارزة داخل المؤسسة العسكرية، مع تعيين الفريق أول صدام حفتر نائباً للقائد العام في 12 أغسطس، ثم تعيين الفريق أول خالد حفتر رئيساً للأركان العامة في 19 من الشهر نفسه.
انتخابياً، انطلقت في 16 أغسطس المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية، تلتها مرحلة ثانية في 18 أكتوبر، في محاولة لإبقاء المسار الانتخابي حياً على المستوى المحلي، رغم غياب أي تقدم حقيقي نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة. غير أن هذا المسار تزامن مع توترات أمنية، أبرزها الهجوم الصاروخي قرب مقر بعثة الأمم المتحدة في 21 أغسطس، ما أعاد المخاوف من استهداف العملية السياسية برمتها.
ومع اقتراب نهاية العام، تصاعد الغضب الشعبي، حيث شهدت 28 نوفمبر مظاهرات واسعة طالبت بإجراء انتخابات عاجلة وإنهاء المراحل الانتقالية. وفي 1 ديسمبر، أُعلن تسليم خالد الهيشري إلى المحكمة الجنائية الدولية، في تطور لافت على مسار التعاون القضائي الدولي. كما شهد ديسمبر أحداثاً أمنية دامية، تمثلت في مقتل أحمد الدباشي “العمو” في صبراتة يوم 12 ديسمبر، قبل أن يُختتم العام بصدمة كبرى تمثلت في مقتل رئيس أركان حكومة الوحدة وأربعة آخرين في تحطم طائرة في أنقرة في 23 ديسمبر.
هكذا انتهى عام 2025 في ليبيا دون انفراجة حقيقية، حاملاً مزيجاً من المحطات السياسية غير المكتملة، والتطورات الأمنية الخطيرة، والخطوات الانتخابية الجزئية التي لم تنجح في تعويض غياب الحل الشامل. وبينما تتجه الأنظار إلى عام 2026، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون السنوات القادمة بداية لكسر الجمود، أم استمراراً لمسار طويل من الأزمات المؤجلة؟







