اتفاقية تطوير المنطقة الحرة بمصراتة.. استثمار أم تفريط في السيادة؟

اتفاقية وُقّعت، لكن الأسئلة التي تطرحها أخطر بكثير من مجرد التوقيع. ففي المنطقة الحرة بمصراتة، أبرمت حكومة الوحدة المؤقتة عقودًا طويلة الأجل لتطوير وتشغيل محطات الحاويات، مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية، في خطوة قُدمت للرأي العام الليبي باعتبارها إنجازًا اقتصاديًا واستثمارًا واعدًا.
التوقيع جرى بحضور رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس وزراء قطر، ووزير خارجية إيطاليا، مع الإعلان عن استثمارات تصل إلى نحو 2.7 مليار دولار، في مشهد سياسي واقتصادي لافت، يوحي بثقل الاتفاقية وأهميتها الاستراتيجية.
لكن خلف الأرقام المعلنة، تبرز إشكاليات جوهرية لا يمكن القفز عليها. فالقرار اتُخذ دون تفويض شعبي، ودون غطاء تشريعي واضح، في وقت لا تزال فيه الحكومة التي وقّعت الاتفاقية حكومة مؤقتة، منوطة بها إدارة المرحلة الانتقالية لا إبرام التزامات طويلة الأجل تمس موارد سيادية.
مجلس النواب وجّه اتهامات صريحة لحكومة الوحدة، معتبرًا أن ما جرى يمثل تفريطًا في مناطق اقتصادية سيادية، وصفقات يشوبها الفساد، مع غياب كامل للشفافية حول بنود التعاقد، ومدد الامتياز، وحجم السيطرة الفعلية التي ستؤول إلى الشركات الأجنبية.
القانون الليبي واضح في هذا السياق، إذ يمنع أي حكومة مؤقتة من التصرف في الموارد الاستراتيجية أو إبرام عقود طويلة الأمد تُقيد الحكومات القادمة، خاصة في ظل غياب برلمان موحد وانتخابات تمنح الشرعية الكاملة لمثل هذه القرارات.
ورغم ذلك، تم التوقيع، وقُدمت التزامات باسم الدولة الليبية كلها، وكأن الخلاف السياسي القائم، والانقسام المؤسسي، والرفض النيابي، تفاصيل ثانوية يمكن تجاوزها بالأمر الواقع.
القضية هنا لا تتعلق برفض مبدأ الاستثمار الأجنبي، ولا بالتحفظ على الشراكات الدولية في حد ذاتها، بل بطبيعة القرار وتوقيته والجهة التي اتخذته. فهناك فارق كبير بين استثمار يخضع لإجماع وطني ورقابة تشريعية، وبين قرار سياسي ثقيل تُفرض تبعاته على دولة منقسمة وشعب لم يُستفتَ عليه.
ما جرى في مصراتة يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل نحن أمام مشروع تنموي حقيقي، أم أمام رهن طويل الأجل لمواقع استراتيجية تحت لافتة الاستثمار؟ سؤال لن يقتصر أثره على الحاضر، بل قد يدفع ثمنه جيل كامل قادم.



