إنفوغراف

خلاف قضائي في ليبيا يعزز الانقسام

يتحول الخلاف حول القضاء الدستوري في ليبيا إلى واحدة من أكثر الأزمات حساسية في المشهد السياسي والمؤسسي، بعدما خرج من إطاره القانوني إلى ساحة الصراع بين السلطات المتنازعة. فبدل أن يكون القضاء أداة للفصل وحسم النزاعات، أصبح هو نفسه محل نزاع، ما فتح الباب أمام انقسام جديد يهدد ما تبقى من وحدة المؤسسات ويعكس عمق الأزمة السياسية القائمة في البلاد.

تعود جذور الأزمة إلى إصدار مجلس النواب قانونًا يقضي بتحويل المحكمة العليا القائمة في طرابلس إلى «محكمة نقض»، وإنشاء محكمة دستورية عليا جديدة مقرها مدينة بنغازي، في خطوة اعتبرها البرلمان إعادة تنظيم لهرم القضاء الدستوري. غير أن هذه الخطوة قوبلت برفض واسع، بعدما قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس ببطلان القانون، معتبرة أنه مخالف للإعلان الدستوري، وأن تنظيم القضاء الدستوري لا يجوز أن يتم عبر تشريع صادر عن سلطة تشريعية انتقالية.

هذا التناقض في القرارات أدخل البلاد في وضع قضائي مزدوج، حيث باتت هناك جهتان تدّعيان الاختصاص بالنظر في الطعون الدستورية، ما ألقى بظلاله سريعًا على المشهد السياسي. فقد أعلن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح دعمه الكامل لتطبيق القانون الصادر عن البرلمان، مؤكدًا أن المحكمة العليا في طرابلس فقدت اختصاصها الدستوري بعد إنشاء المحكمة الجديدة، وهو الموقف نفسه الذي تبنته الحكومة الليبية المكلفة برئاسة أسامة حماد، معتبرة أن قرارات البرلمان واجبة النفاذ.

في المقابل، رفض رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة القانون، واعتبره خروجًا عن التوافق السياسي وتجاوزًا للاختصاصات الدستورية، وهو موقف تشارك فيه حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، التي أكدت أن أي مساس بالمحكمة العليا يمثل تهديدًا لاستقلال القضاء. كما تمسك رئيس المحكمة العليا المستشار عبدالله بورزيزة باستمرار اختصاص المحكمة العليا في الرقابة الدستورية، محذرًا من مخاطر تفكيك السلطة القضائية وإقحامها في الصراع السياسي.

ومع تصاعد حدة الانقسام، دخلت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على خط الأزمة، معلنة تشكيل لجنة وساطة من الخبراء القانونيين بهدف احتواء الخلاف ومنع انهيار وحدة القضاء. وضمت اللجنة القاضي المتقاعد حسين البوعيشي، والخبير الدستوري الدكتور الكوني عبودة، والقاضي المتقاعد المبروك الفاخري، والمحامي عصام الماوي، في محاولة لإيجاد صيغة توافقية تضمن استمرار الرقابة الدستورية دون تعميق الانقسام.

غير أن هذا التدخل الأممي لم يحظَ بإجماع الأطراف، إذ اعتبره مؤيدو قانون البرلمان مساسًا بالسيادة وتدخلاً في عمل مؤسسة قضائية، بينما رآه الرافضون محاولة ضرورية لمنع انزلاق البلاد إلى فوضى قانونية شاملة. وبين هذا وذاك، ظل القضاء الدستوري رهينة الخلاف السياسي، بدل أن يكون مرجعية حاسمة لحسم النزاعات.

وفي المحصلة، يعكس الخلاف القضائي في ليبيا أزمة أعمق تتعلق بتضارب الشرعيات وتسييس المؤسسات، حيث بات القضاء جزءًا من معادلة الصراع بدل أن يكون حَكَمًا فيها. ومع استمرار هذا المسار، يظل خطر الانقسام المؤسسي قائمًا، وتتراجع فرص الوصول إلى تسوية مستقرة، ما لم يتم تحييد القضاء وإبعاده عن التجاذبات السياسية، وإعادة الاعتبار لدوره كسلطة مستقلة تحمي وحدة الدولة وتفرض سيادة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى