فيديوغراف

النفط يفجر الانقسام في غرب ليبيا

في ليبيا اليوم، لم يعد الخلاف السياسي حبيس الغرف المغلقة، ولم يعد الصراع على النفوذ يُدار بصمت. ما كان يُقال همسًا خرج إلى العلن، وهذه المرة من أعلى هرم الحكم في غرب البلاد.

حديث رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي عن ملف النفط جاء بلغة مختلفة وتوقيت لافت. لم يكن مجرد تصريح بروتوكولي، بل حمل تحذيرًا صريحًا من صفقات غير شفافة وترتيبات غامضة، ودعوة واضحة لإدارة الثروة الوطنية بعقل الدولة لا بعقل الغنيمة.

المنفي لم يسم حكومة الوحدة الوطنية مباشرة، لكنه وجه رسائله إليها بوضوح. انتقاد سياسي مبطن، ومحاولة لإعادة التموضع داخل معادلة الشراكات الاقتصادية التي تدار اليوم من طرابلس، في ظل تهميش واضح لدور المجلس الرئاسي في واحد من أخطر الملفات السيادية.

هذه التصريحات تعكس شرخًا متصاعدًا داخل معسكر غرب ليبيا نفسه، حيث تتداخل السلطات وتتنازع الصلاحيات، بينما تتحول الثروة النفطية إلى محور صراع جديد بين مؤسسات يفترض أنها تعمل تحت مظلة واحدة.

ففي المقابل، مضت حكومة الوحدة الوطنية، بوصفها حكومة مؤقتة وفق خارطة الطريق الأممية، في توقيع اتفاقيات طويلة الأمد مع شركات فرنسية وأمريكية في قطاع النفط، تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول قانونية هذه الالتزامات ومشروعيتها السياسية.

وهنا يكمن جوهر الخلاف، خارطة الطريق التي انبثقت عنها حكومة الوحدة تنص صراحة على عدم الدخول في تعاقدات استراتيجية طويلة المدى، حفاظًا على حقوق الليبيين وحقوق الأجيال القادمة، إلى حين انتخاب سلطة تنفيذية دائمة. لكن الواقع يكشف مسارًا مختلفًا، تُدار فيه الثروة بعقود تمتد لعقود، بينما الدولة نفسها بلا برلمان موحد ولا حكومة منتخبة.

الأخطر أن هذه القرارات تُتخذ في ظل غياب الشفافية، وضعف الرقابة، وتهميش المؤسسات الرقابية، ما يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات مشروعة: من يملك حق التصرف في النفط؟ وبأي تفويض؟ ولصالح من تُبرم هذه الصفقات؟

الخلاف حول النفط ليس مجرد تباين في وجهات النظر، بل يعكس أزمة بنيوية في إدارة الدولة، حيث تتصارع السلطات بدل أن تتكامل، وتُستنزف الثروة الوطنية في معارك النفوذ، بينما المواطن لا يرى من عائداتها سوى ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات.

وفي قلب هذا المشهد، يظل السؤال معلقًا: متى يعلم الليبيون كيف تُدار ثرواتهم؟ ومتى تعود خيرات النفط على حياتهم اليومية، بدل أن تتحول إلى وقود دائم للانقسام السياسي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى